ابن عطية الأندلسي

519

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

اجتماع قريش في دار الندوة بمحضر إبليس في صورة شيخ نجدي على ما نص ابن إسحاق في سيره الحديث بطوله وهو الذي كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة بسببه ولا خلاف أن ذلك كان بعد موت أبي طالب ففي القصة أن أبا جهل قال الرأي أن نأخذ من كل بطن في قريش فتى قويا جلدا فيجتمعون ثم يأخذ كل واحد منهم سيفا ويأتون محمدا في مضجعه فيضربونه ضربة رجل واحد فلا يقدر بنو هاشم على قتال قريش بأسرها فيأخذون العقل ونستريح منه فقال النجدي صدق الفتى هذا الرأي لا أرى غيره فافترقوا على ذلك فأخبر الله بذلك نبيه صلى الله عليه وسلم وأذن له في الخروج إلى المدينة فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من ليلته وقال لعلي بن أبي طالب التف في بردي الحضرمي واضطجع في مضجعي فإنه لا يضرك شيء ففعل علي وجاء فتيان قريش فجعلوا يرصدون الشخص وينتظرون قيامه فيثورون به فلما قام رأوا عليا فقالوا له أين صاحبك قال لا أدري وفي السير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عليهم وهم في طريقه فطمس الله عيونهم عنه وجعل على رأس كل واحد منهم ترابا ومضى لوجهه فجاءهم رجل فقال ما تنتظرون قالوا محمدا قال إني رأيته الآن جائيا من ناحيتكم وهو لا محالة وضع التراب على رؤوسكم فمد كل واحد يده إلى رأسه وجاؤوا إلى مضجع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدوا عليا فركبوا وراءه حينئذ كل صعب وذلول وهو بالغار ومعنى * ( ليثبتوك ) * ليسجنوك فتثبت قاله السدي وعطاء وابن أبي كثير وقال ابن عباس ومجاهد معناه ليوثقوك وقال الطبري وقال آخرون المعنى ليسحروك وقرأ يحيى بن وثاب فيما ذكر أبو عمرو الداني ليثبتوك وهذه أيضا تعدية بالتضعيف وحكى النقاش عن يحيى بن وثاب أنه قرأ ليبيتوك من البيات وهذا أخذ مع القتل فيضعف من هذه الجهة وقال أبو حاتم معنى * ( ليثبتوك ) * أي بالجراحة كما يقال أثبتته الجراحة وحكاه النقاش عن أهل اللغة ولم يسم أحدا وقوله تعالى * ( ويمكر الله ) * معناه يفعل أفعالا منها تعذيب لهم وعقوبة ومنها ما هو إبطال لمكرهم ورد له ودفع في صدره حتى لا ينجع فسمى ذلك كله باسم الذنب الذي جاء ذلك من أجله ولا يحسن في هذا المعنى إلا هذا وأما أن ينضاف المكر إلى الله عز وجل على ما يفهم في اللغة فغير جائز أن يقال وقد ذكر ابن فورك في هذا ما يقرب من هذا الذي ضعفناه وإنما قولنا ويمكر الله كما تقول في رجل شتم الأمير فقتله الأمير هذا هو الشتم فتسمى العقوبة باسم الذنب وقوله * ( خير الماكرين ) * أي أقدرهم وأعزهم جانبا قال القاضي أبو محمد وفي هذه الجهة أعني القدرة والعزة يقع التفضيل لأن مكرة الكفار لهم قدرة ما فوقع التفضيل لمشاركتهم بها وأما من جهة الصلاح الذي فيما يعلمه الله تعالى فلا مشاركة للكفار بصلاح فيتعذر التفضيل على مذهب سيبويه والبصريين إلا على ما قد بيناه في ألفاظ العموم مثل خير واجب ونحو هذا إذ لا يخلو من اشتراك ولو على معتقد من فرقة أو من واحد قوله عز وجل سورة الأنفال 31